العلامة المجلسي
88
بحار الأنوار
حتى يعطى أحدهما بالآخر ويؤخذ أحدهما بذنب الآخر ، وقد يحدث مثل هذا في تشابه الأشياء فضلا عن تشابه الصورة ، فمن لطف لعباده بهذه الدقائق التي لا تكاد تخطر بالبال حتى وقف بها على الصواب إلا من وسعت رحمته كل شئ ؟ لو رأيت تمثال الانسان مصورا على حائط فقال لك قائل : إن هذا ظهر ههنا من تلقاء نفسه لم يصنعه صانع أكنت تقبل ذلك ؟ بل كنت تستهزئ به فكيف تنكر هذا في تمثال مصور جماد ولا تنكر في الانسان الحي الناطق ؟ لم صارت أبدان الحيوان وهي تغتذي أبدا لا تنمي ، بل تنتهي إلى غاية من النمو ثم تقف ولا تتجاوزها لولا التدبير في ذلك ؟ فإن من تدبير الحكيم فيها أن يكون أبدان كل صنف منها على مقدار معلوم غير متفاوت في الكبير والصغير ، ( 1 ) وصارت تنمي حتى تصل إلى غايتها ثم يقف ثم لا يزيد والغذاء مع ذلك دائم لا ينقطع ، ولو كانت تنمي نموا دائما لعظمت أبدانها واشتبهت مقاديرها حتى لا يكون لشئ منها حد يعرف ، لم صارت أجسام الانس خاصة تثقل عن الحركة والمشي ويجفو عن الصناعات اللطيفة إلا لتعظيم المؤونة فيما يحتاج إليه الناس للملبس والمضجع والتكفين وغير ذلك ، لو كان الانسان لا يصيبه ألم ولا وجع بم كان يرتدع عن الفواحش ويتواضع لله ويتعطف على الناس ؟ أما ترى الانسان إذا عرض له وجع خضع واستكان ورغب إلى ربه في العافية وبسط يديه بالصدقة ؟ ولو كان لا يألم من الضرب بم كان السلطان يعاقب الدعار ( 2 ) ويذل العصاة المردة ؟ وبم كان الصبيان يتعلمون العلوم والصناعات ؟ وبم كان العبيد يذلون لأربابهم ويذعنون لطاعتهم ؟ أفليس هذا توبيخ لابن أبي العوجاء وذويه اللذين جحدوا التدبير ، والمانوية الذين أنكروا الألم والوجع ، لو لم يولد من الحيوان إلا ذكر ( 3 ) فقط أو إناث فقط ألم يكن النسل منقطعا ، وباد مع ذلك أجناس الحيوان ؟ فصار بعض الأولاد يأتي ذكورا وبعضها يأتي إناثا ليدوم التناسل ولا ينقطع . لم صار الرجل والمرأة إذا أدركا نبتت لهما العانة ثم نبتت اللحية للرجل وتخلفت عن المرأة لولا التدبير في ذلك ؟ فإنه لما جعل الله تبارك
--> ( 1 ) وفي نسخة : في الكبر والصغر . ( 2 ) وفي نسخة : الدغار . ( 3 ) وفي نسخة : ذكورا .